مجمع البحوث الاسلامية
273
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لليدين والرّجلين استقامة . فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام لهلك هو أيضا ، بخلاف العبد والسّيّد . ( 28 : 113 ) القرطبيّ : أي لا تخاطبوه : يا محمّد ويا أحمد ، ولكن : يا نبيّ اللّه ويا رسول اللّه ، توقيرا له . وقيل : كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليقتدي بهم ضعفة المسلمين ، فنهي المسلمون عن ذلك . وقيل : لا تَجْهَرُوا لَهُ أي لا تجهروا عليه ، كما يقال : سقط لفيه ، أي على فيه ، كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ الكاف كاف التّشبيه في محلّ النّصب ، أي لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض . وفي هذا دليل على أنّهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا حتّى لا يسوغ لهم إلّا أن يكلّموه بالهمس والمخافتة ، وإنّما نهوا عن جهر مخصوص مقيّد بصفة ، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم ، وهو الخلوّ من مراعاة أبّهة النّبوّة وجلالة مقدارها ، وانحطاط سائر الرّتب وإن جلّت رتبتها . ( 16 : 306 ) نحوه أبو حيّان . ( 8 : 306 ) الشّربينيّ : أي إذا كلّمتموه سواء كان ذلك مثل صوته أو أخفض من صوته ، فإنّ ذلك غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقّر الكبراء ، كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي ولا تبلغوا به الجهر الدّائر بينكم ، بل اجعلوا أصواتكم أخفض من ذلك ، فإنّكم إن لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبين غيره . فإن قيل : ما الفائدة في وَلا تَجْهَرُوا بعد لا تَرْفَعُوا ؟ أجيب بأنّ المنع من رفع الصّوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من كلام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وصوته ، والنّهي عن الجهر منع من المساواة ، أي لا تجهروا له بالقول كما تجهرون لنظرائكم ، بل اجعلوا كلمته عليا . ( 4 : 60 ) البروسويّ : إذا كلّمتموه وتكلّم هو أيضا . والجهر : يقال : لظهور الشّيء بإفراط لحاسّة البصر ، نحو : رأيته جهارا ، أو حاسّة السّمع ، نحو : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ الرّعد : 10 ، كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي جهرا كائنا كالجهر الجاري فيما بينكم ، بل اجعلوا صوتكم أخفض من صوته ، وتعهّدوا في مخاطبته اللّيّن القريب من الهمس ، كما هو الدّأب عند مخاطبة المهيب المعظّم ، وحافظوا على مراعاة جلالة النّبوّة . فنهوا عن جهر مخصوص مقيّد ، وهو الجهر المماثل لجهر اعتادوه فيما بينهم ، لا عن الجهر مطلقا حتّى لا يسوغ لهم ، إلّا أن يتكلّموا بالهمس والمخافتة . فالنّهي الثّاني أيضا مقيّد بما إذا نطق ونطقوا ، والفرق أنّ مدلول النّهي الأوّل حرمة رفع الصّوت فوق صوته عليه السّلام ، ومدلول الثّاني حرمة أن يكون كلامهم معه عليه السّلام في صفة الجهر كالكلام الجاري بينهم ، ووجوب كون أصواتهم أخفض من صوته عليه السّلام بعد كونها ليست بأرفع من صوته ، وهذا المعنى لا يستفاد من النّهي الأوّل ، فلا تكرار . والمفهوم من « الكشّاف » في الفرق بينهما : أنّ معنى النّهي الأوّل أنّه عليه السّلام إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم فوق الحدّ الّذي يبلغ إليه صوته عليه السّلام ، وأن تغضّوا من أصواتكم ؛ بحيث يكون صوته عاليا على